الأمراض المعدية

الملاريا: كيف تعرفها وكيف تقيها وماذا تفعل حين تشك فيها

بقلم Adnan Alrefai · 19 يوليو 2026 · 8 دقائق قراءة

محتويات المقال
  1. ما هي الملاريا وكيف تنتقل؟
  2. ما أعراض الملاريا وكيف تبدأ؟
  3. كيف تُشخَّص الملاريا؟
  4. كيف تُعالج الملاريا؟
  5. مقاومة الأدوية: لماذا يجب ألا تأخذ أدوية الملاريا من السوق دون وصفة؟
  6. كيف تحمي نفسك وأسرتك من الملاريا؟
  7. الملاريا والحمل: خطر مضاعف
  8. الملاريا عند العائد من السفر: لا تتجاهل الحمى

ما هي الملاريا وكيف تنتقل؟

الملاريا مرض طفيلي تسببه طفيليات من جنس المتصورة (Plasmodium) تنتقل إلى الإنسان عبر لدغة بعوضة الأنوفيليس (Anopheles) الأنثى عند تغذيتها على الدم ليلاً. البعوضة تحمل الطفيليات في غددها اللعابية وتحقنها في الدم عند العضة. من المهم معرفة أن الملاريا لا تنتقل من شخص إلى آخر بالتلامس المباشر أو السعال أو المصافحة.

هناك أربعة أنواع رئيسية من طفيليات الملاريا تصيب الإنسان: المتصورة المنجلية (Plasmodium falciparum) وهي الأخطر والأكثر شيوعاً في أفريقيا جنوب الصحراء والسودان واليمن، والمتصورة النشيطة (Plasmodium vivax) الأكثر انتشاراً في المناطق ذات المناخ المعتدل وأجزاء من الشرق الأوسط، والمتصورة الملاريا والمتصورة البيضية اللتان تسببان أمراضاً أخف.

في منطقتنا، السودان واليمن هما أكثر البلدان تضرراً من الملاريا. دراسة نشرت في مجلة Malaria Journal عام 2023 وثّقت انتشار بعوضة الأنوفيليس ستيفنسي (Anopheles stephensi)، وهي أنواع حضري تتكاثر في خزانات المياه والبيئات الحضرية، في اليمن وعدة دول بالمنطقة، مما يرفع خطر انتشار الملاريا في مناطق حضرية لم تكن معروفة بها تقليدياً.

انتشار الملاريا السنوي في دول منتقاة بالمنطقة

السودان 71حالة لكل 1000 شخص معرض للخطر
اليمن 12حالة لكل 1000 شخص معرض للخطر
العراق 0.1حالة لكل 1000 شخص معرض للخطر
سوريا 0.05حالة لكل 1000 شخص معرض للخطر

المصدر: WHO World Malaria Report 2023

ما أعراض الملاريا وكيف تبدأ؟

الأعراض الكلاسيكية للملاريا تبدأ في العادة بين أسبوع وأسبوعين بعد اللدغة الملوثة، وإن كانت المتصورة النشيطة قد تكمن في الكبد لأشهر قبل أن تظهر أعراضها. النوبة الكلاسيكية تمر بثلاث مراحل متتالية: مرحلة البرد مع رجفة شديدة ورعشة حتى في الطقس الحار، ثم مرحلة الحرارة حيث ترتفع درجة الحرارة بشكل مفاجئ وحاد، ثم مرحلة التعرق الغزير مع هبوط درجة الحرارة نحو الطبيعي.

هذه الدورة في الملاريا بالمتصورة النشيطة تتكرر كل 48 ساعة، وفي الملاريا بالمتصورة المنجلية قد تكون غير منتظمة. الأعراض المصاحبة تشمل: صداع شديد، آلام عضلية، غثيان، قيء، وأحياناً إسهال. تشابه هذه الأعراض مع الأنفلونزا والتيفود وأمراض أخرى يجعل التشخيص المخبري ضرورياً ولا يكفي الاعتماد على العلامات السريرية وحدها.

الملاريا الدماغية (Cerebral malaria) هي أخطر مضاعفات المتصورة المنجلية وتحدث حين يغزو الطفيلي الأوعية الدموية الدماغية. أعراضها تشمل تشوش الوعي، تشنجات، فقدان الوعي، وتستلزم علاجاً طارئاً في المستشفى. دراسة نشرت في مجلة BMC Infectious Diseases عام 2021 عن مرضى الملاريا في ولاية النيل الأبيض بالسودان وجدت تغيرات دموية واضحة حتى في الحالات غير المعقدة، مما يُوضح لماذا يستدعي كل اشتباه بالملاريا الفحص المخبري الفوري.

كيف تُشخَّص الملاريا؟

التشخيص المخبري إلزامي قبل البدء بأي علاج. هناك ثلاث طرق رئيسية للتشخيص: الفحص المجهري للدم (Blood smear microscopy)، واختبار التشخيص السريع (Rapid Diagnostic Test)، وتفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR). الفحص المجهري هو المعيار الذهبي لأنه يُميز نوع الطفيلي ويحدد شدة الإصابة، لكنه يحتاج إلى فني متمرس وقد لا يتوفر في جميع المراكز.

اختبار التشخيص السريع (RDT) هو الأداة الأكثر شيوعاً في مناطق الموارد المحدودة. يعطي نتيجة خلال خمس عشرة إلى عشرين دقيقة من قطرة دم واحدة من الأصبع، ويستطيع في معظم تصميماته التمييز بين المتصورة المنجلية وغيرها. مراجعة منشورة في مجلة American Journal of Tropical Medicine and Hygiene أكدت أن RDT الجيد يتمتع بحساسية ونوعية عاليتين للمتصورة المنجلية، مما يجعله خياراً ممتازاً في الميدان.

نقطة مهمة: سلبية نتيجة RDT لا تنفي الملاريا بشكل قاطع في حالة الاشتباه القوي، خاصة حين تكون أعداد الطفيليات منخفضة في بداية المرض. إذا كانت الأعراض متوافقة مع الملاريا وكانت النتيجة سلبية، يجب تكرار الاختبار بعد 24 إلى 48 ساعة أو إجراء الفحص المجهري.

كيف تُعالج الملاريا؟

علاج الملاريا يعتمد على نوع الطفيلي ومنطقة الإصابة وشدة الحالة. الملاريا غير المعقدة بالمتصورة المنجلية تُعالج بمزيج علاجي يُسمى العلاج التركيبي بالأرتيميسينين (Artemisinin-based Combination Therapy)، اختصاراً ACT، وهو يشمل أدوية مثل آرتيميثر-لوميفانترين أو آرتيسونات-أموديأكين. يجب إتمام الدورة كاملة حتى لو تحسنت الأعراض بعد يومين.

الملاريا الشديدة بالمتصورة المنجلية حالة طوارئ تستوجب العلاج الفوري بالأرتيسونات الوريدي في المستشفى. مراجعة كوكران الصادرة عام 2019 أكدت أن الأرتيسونات الوريدي أفضل من الكينين في تقليل الوفيات في الملاريا الشديدة. التأخر في العلاج حتى ساعات قليلة قد يكون الفارق بين النجاة والوفاة.

الملاريا بالمتصورة النشيطة تحتاج إلى دواء إضافي يُسمى البريماكين للقضاء على الأشكال الكامنة في الكبد التي قد تُسبب انتكاسات بعد أشهر. البريماكين يُعطى بعد قياس مستوى إنزيم G6PD لأن من يعاني من نقصه معرض لفقر دم انحلالي خطير إذا تناول هذا الدواء. انتبه إلى هذه النقطة خاصة في المناطق التي يرتفع فيها معدل نقص G6PD.

خيارات العلاج حسب نوع الملاريا

النوع الحالة الأساس العلاجي
المتصورة المنجلية غير معقدة ACT (آرتيميثر-لوميفانترين وغيره)
المتصورة المنجلية شديدة أو دماغية أرتيسونات وريدي في المستشفى
المتصورة النشيطة غير معقدة كلوروكين أو ACT + بريماكين
المتصورة النشيطة مقاومة للكلوروكين ACT + بريماكين

مقاومة الأدوية: لماذا يجب ألا تأخذ أدوية الملاريا من السوق دون وصفة؟

مقاومة الطفيليات لأدوية الملاريا مشكلة عالمية متصاعدة. الكلوروكين الذي كان فعالاً عالمياً لعقود بات عديم الفائدة ضد المتصورة المنجلية في معظم مناطق الموبوءة به. دراسة صادرة عام 2023 في مجلة Tropical Medicine and International Health غطت دولاً في منطقة الشرق الأوسط وتبين أن أنماط المقاومة تتفاوت بين دولة وأخرى، مما يعني أن الدواء الفعال في مكان ما قد لا يكون فعالاً في مكان آخر.

أخذ أدوية الملاريا دون تشخيص مؤكد أو من السوق دون وصفة طبية يُسبب مشكلتين: أولاً، الجرعة الخاطئة أو الدواء الخاطئ لا يعالج المرض ويُعطي وقتاً للطفيلي لينتشر ويُعقد الحالة. ثانياً، الجرعات الناقصة تُسرّع تطوير المقاومة. تقليد بعض الناس لجرعات من سمعوها من الجيران أو من الإنترنت خطر حقيقي يُضاف إليه ضعف الرقابة في بعض صيدليات المناطق الموبوءة.

الوصفة الصحيحة تعتمد على: نوع الطفيلي المؤكد من الفحص المخبري، ووزن المريض خاصة عند الأطفال إذ تُحسب الجرعة بالكيلوغرام، وحالة الحمل لأن بعض الأدوية محظورة في الحمل. لا تأخذ دواء ملاريا تركه شخص آخر بعد علاجه، لأن الجرعة المتبقية قد لا تكفي وستكون عاملاً في تطوير مقاومة.

وجود الأدوية في الأسواق الشعبية في بعض مناطق السودان واليمن لا يعني أنها موثوقة الجودة أو الجرعة. الأدوية المزيفة أو الناقصة الفعالية مشكلة موثقة في هذه المناطق، وقد تبدو متطابقة مع الأصلية من الخارج. شراء أدوية الملاريا من مرافق صحية حكومية أو صيدليات موثوقة يُقلل هذا الخطر بشكل ملموس.

كيف تحمي نفسك وأسرتك من الملاريا؟

الناموسية المشبعة بمبيدات الحشرات (Insecticide-Treated Net) هي أكثر وسائل الوقاية فعالية على مستوى الفرد. بعوضة الأنوفيليس تلدغ في الغالب بين الغسق وشروق الشمس، لذا فإن النوم تحت الناموسية كل ليلة يوفر حماية قوية. يجب أن تكون الناموسية سليمة دون ثقوب وأن تُجدد معالجتها كل ستة أشهر إلى سنة إذا كانت من النوع القابل للمعالجة المتكررة.

الطارد الحشري (repellent) المحتوي على مادة DEET بتركيز من عشرين إلى خمسين بالمئة يوفر حماية ساعات عدة ويُطبق على الأجزاء المكشوفة من الجسم. ارتداء ملابس ذات أكمام طويلة وتغطية الكاحلين خاصة في ساعات الغسق والفجر يقلل من سطح الجلد المعرض للعضة. تركيب أسلاك على نوافذ المنازل وتصريف مياه الوقوف حول البيت يُقلل من التكاثر المحلي للبعوض.

الوقاية الدوائية (Chemoprophylaxis) يتناولها المسافرون من المناطق الخالية من الملاريا إلى المناطق الموبوءة. الأدوية المستخدمة تشمل الكلوروكين في المناطق الحساسة، أو دوكسيسيكلين أو أتوفاكون-بروغوانيل في المناطق المقاومة. يجب بدء الوقاية قبل السفر وليس عند الوصول، واستمرارها لأسابيع بعد المغادرة. استشر طبيباً أو مركص صحة السفر قبل التوجه لأي منطقة موبوءة.

الملاريا والحمل: خطر مضاعف

الحامل أكثر عرضة للإصابة بالملاريا الشديدة لأن الحمل يُخفف من المناعة، كما أن الملاريا في الحمل ترتبط بمخاطر جسيمة للجنين منها: انخفاض وزن الولادة والولادة المبكرة وفقر الدم الحاد وحتى الوفاة داخل الرحم. تنظيم الصحة العالمي يوصي النساء الحوامل في المناطق الموبوءة بتناول جرعات وقائية منتظمة من السلفادوكسين-بيريميتامين في إطار برامج رعاية الحمل.

علاج الملاريا أثناء الحمل يستثني بعض الأدوية: الكينين يستخدم في الحالات الشديدة في الثلث الأول لكن مع رصد دقيق، وأدوية ACT معينة تُعطى بعد الثلث الأول في الغالب. البريماكين محظور تماماً أثناء الحمل. لا تأخذي أي دواء ملاريا دون مشورة طبية إن كنت حاملاً.

الرضاعة الطبيعية لا تمنع علاج الملاريا في أغلب الأحيان، لكن بعض الأدوية تنتقل بكميات صغيرة عبر الحليب. طبيبك سيختار الدواء المناسب مع الأخذ في الاعتبار الرضاعة. لا توقفي الرضاعة لمجرد احتياجك لعلاج الملاريا إلا إذا أوصى الطبيب بذلك.

الملاريا الأولى أثناء الحمل أكثر خطراً على المرأة التي لم تسبق لها إصابة سابقة ولم تطور أي قدر من المناعة الجزئية. النساء اللواتي هاجرن من مناطق غير موبوءة كالأردن أو لبنان إلى السودان أو اليمن عبر العمل أو الزواج يواجهن هذا الخطر أكثر من اللواتي ولدن في المنطقة. الحرص على الناموسية المُعالجة طوال الليل وارتداء ملابس طويلة في ساعات الغسق أثناء الحمل ليس اختيارياً في المناطق الموبوءة.

الملاريا عند العائد من السفر: لا تتجاهل الحمى

الملاريا من أولى التشخيصات التي يجب التفكير فيها عند كل شخص يُصاب بحمى خلال شهر أو شهرين من عودته من منطقة موبوءة، حتى لو تناول الوقاية الدوائية. الوقاية تقلل الخطر بشكل كبير لكنها ليست مئة بالمئة فعالة. قل لطبيبك أين كنت وذاكر أسماء البلدان التي زرتها قبل أن تصف أعراضك.

أحياناً تبقى المتصورة النشيطة كامنة في الكبد لأشهر أو سنوات ثم تُسبب انتكاسة بعد وقت طويل من العودة. إذا أُصبت بملاريا نشيطة وعولجت، يجب متابعة طبيبك لاستكمال دورة البريماكين اللازمة للقضاء على الأشكال الكبدية ومنع الانتكاس.

في بعض البلدان العربية غير الموبوءة كالأردن ومصر الكبرى والخليج، قد لا تتوفر إمكانية تشخيص الملاريا في أول مكان صحي تزوره لأنها ليست مرضاً متوقعاً. إذا عدت من سودان أو اليمن أو أي منطقة موبوءة وأصابتك حمى، اذكر تفصيلة السفر بوضوح للطبيب ليعلم أن الملاريا يجب استبعادها.

يساعدك تطبيق صحتك على تسجيل سجل سفرك ونتائج الفحوص المتعلقة بالملاريا، مما يُمكّن طبيبك في أي مكان من فهم تاريخك الطبي الكامل واتخاذ القرار الصحيح بسرعة.

أسئلة شائعة

هل الملاريا تنتقل من شخص إلى آخر؟

لا. الملاريا لا تنتقل بالتلامس المباشر أو السعال أو المصافحة أو المشاركة في الطعام. طريقة النقل الوحيدة في الحالات الطبيعية هي لدغة بعوضة الأنوفيليس الأنثى التي تحمل الطفيلي. نقل الدم الملوث ومشاركة الإبر من الحالات النادرة جداً.

هل يمكن الإصابة بالملاريا أكثر من مرة؟

نعم. الإصابة بالملاريا لا تمنح مناعة كاملة ودائمة. المناعة الجزئية تتطور لدى من يعيشون في مناطق موبوءة وتكررت إصابتهم عدة مرات، لكنها تتراجع عند البعد عن المنطقة لفترة. العائدون بعد غياب طويل يكونون عرضة للإصابة الشديدة.

ما الفرق بين الملاريا والتيفود؟

كلاهما يُسبب حمى مستمرة ويمكن أن يكون مربكاً سريرياً. الملاريا أعراضها تأتي بدوريات مع قشعريرة وتعرق، أما التيفود فيكون الصداع والإمساك والطفح الجلدي المميز أكثر بروزاً. التشخيص يُعتمد على الفحص المخبري في الحالتين ولا يجوز الاكتفاء بالاجتهاد السريري.

هل الطفل الأصغر يحتاج دواء وقاية من الملاريا في السفر؟

نعم. الأطفال معرضون للملاريا الشديدة أكثر من البالغين ويجب وقايتهم إذا سافروا لمناطق موبوءة. الجرعة تُحسب بالوزن ويُحدد الدواء المناسب لكل فئة عمرية من قبل الطبيب. الناموسية المُعالجة إلزامية بصرف النظر عن عمر الطفل.

هل تُعالج الملاريا تماماً؟

نعم. الملاريا قابلة للشفاء التام إذا شُخصت بشكل صحيح وعولجت بالأدوية المناسبة والجرعة الكافية. الخطر يأتي من التأخر في التشخيص أو العلاج غير الملائم. الملاريا الدماغية قد تُخلف آثاراً عصبية إذا تأخر علاجها.

هل الناموسية تكفي وحدها للوقاية؟

الناموسية المُعالجة بالمبيدات هي الأكثر فعالية للفرد وتوفر حماية عالية لمن ينام تحتها كل ليلة. لكن الحماية الكاملة تجمع بينها وبين الطارد الحشري وارتداء ملابس طويلة وتصريف مياه الوقوف والوقاية الدوائية للمسافرين. لا شيء منفرداً يوفر حماية مئة بالمئة.

كم يستغرق التعافي من الملاريا؟

مع العلاج الصحيح، تبدأ الحمى في التراجع خلال 24 إلى 48 ساعة وتتحسن الحالة العامة في غضون أسبوع في معظم الحالات غير المعقدة. التعب والضعف قد يستمران أسابيع بعد انتهاء الحمى خاصة إذا كان هناك فقر دم. الملاريا الشديدة تحتاج فترة نقاهة أطول.

المصادر

هذا المحتوى للتثقيف الصحي فقط ولا يغني عن استشارة الطبيب. إذا كانت لديك أعراض تقلقك فراجع طبيبك.